سوزان تلحوق (1) ﻛﺘﺎﺏ

عندما أنظر إلى طفولتي أتذكر دائما أنني من “عيتات الصامدة”، تعبير رافق مرحلة الطفولة، فقد سمعت جدتي وأمي والكل يردده. كل ما في القصة أنني من إحدى قرى جبل لبنان “عيتات” والتي “صادف” أنها خط تماس أو جبهة قتال خلال الحرب الأهلية، كنا نؤمن أنه إذا “سقطت عيتات” سقط الجبل، أي إذا خسر الشباب المعركة في عيتات فسنخسر في الحرب الأهلية وبالتالي لا أحد يعلم أين سنكون؟ كنا نسمعهم يهمسون أننا إذا خسرنا الحرب سيطردونا إلى “جبل العرب أو جبل الدروز”. كان تعبيرعيتات الصامدة أملنا ولكننا كنا صغارا وجاهلين لأي تفصيل آخر، وعلى سبيل المثال، من هو العدو؟ كيف شكله؟ لماذا بالتحديد نحن نقتل بعضنا؟ هل الحرب فرضت علينا ويجب أن ندافع عن أنفسنا؟! ولكن بعد أن إنتهت الحرب علمت أن والدة صديقتي لوسي قالت لها أيضا أنهم قاتلوا دفاعا عن وجودهم وتثبيتا لموقع المسيحيين وبالتالي كلانا قتلنا بعضنا دفاعا عن النفس والوجود، وكلانا على صواب وهذا مستحيل. إذا كلانا كنا على جهل متجذر يغذيه الدين والأنا والحقد والكره والخوف وعدم الوعي. وبالرغم من كل ذلك لم تكن مرحلة الطفولة مأساوية فقد غلب عليها طابع من يعيش ليومه، ليس هناك من غد ملموس نقلق لأجله، أو مستقبل نخطط له، بل كنا نحيا في “الآن”، علاقاتنا وأحلامنا وإحتياجاتنا محصورة بحاضرنا، إما نفرح لما تحمله الأيام من “هدنة مؤقتة” وإما نحزن على الأخبار “السيئة” التي تردنا. أجمل ما في هذه الأيام حكايات جدتي وآمالها وحنينها وأحاديث النسوة عن الحرب والرجال والأولاد. كانت حياتنا مليئة بالقصص وكنا بدورنا ننسج حكاياتنا الخاصة ونشاركها، فتمضي الأيام مسرعة. إنتهت الحرب وعدنا إلى قريتنا، لنبدأ من جديد، من دون ذكريات وصور وأخبار، وكأننا فقدنا ذاكرة الحرب وكل ما يمت لها بصلة لنفتح صفحة جديدة في بيت جديد ومع أصدقاء جدد. لم أتأقلم بسرعة، لم أعي التحول ولم أكن أريد البدء من جديد. أتت سنين المراهقة كالعاصفة، حولتني من فتاة تلهو تحت المدافع والقذائف إلى فتاة تبحث عن الحب وتحب وتختبر شعور الألم في سعادة الحب وشقائه. تحولت إلى فتاة مشاكسة عنيدة أرادت تغيير كل شيء والتعبير عن رأيها في الحياة والموت والفلسفة…، والخوض في نقاشات عن السياسة والثقافة. كل تلك المرحلة أسستني أو شكلت الأرضية لكتابة الشعر لاحقا، فقد وجدت في القصيدة مأوى وفي كلماتها توضيح عن أعمق افكاري وهواجسي وأحلامي وأشجاني، أصبحت مرآتي تعكس ما يختلج في الباطن لتحوله بسحر ساحر إلى صور توضح أمامي معالم الطريق حيث الأجوبة عن أسئلتي التي لا تنتهي. نشأت في منزل علّمني العروبة أو بالأحرى شدّني إليها، فقد كان والدي واضحا بعرويته فخورا بها، لم يناقشني بها أو يحاول إقناعي “إنها من البديهيات”. لم أحاول أن أبحث عن أي نوع من الإنتماء سواء لمجموعة أم لحزب بل إكتفيت بكوني “عربية” لفتتني الفكرة وآمنت بها وظلت تلازمني، لم نفترق يوما فأصبحت عروبتي جزء من شخصيتي. إنتهت المدرسة ودخلت الجامعة وتخرجت حاملة شهادة ماجستير في الفيزياء، لكني عملت في الإعلام والتواصل والتسويق. أصدرت اول ديوان بعنوان “إلى أن ألتقيك” عام 2006 والثاني “لست امرأة واحدة” عام 2009. لطالما إنتقدت الحكومات العربية وتخاذلها وتغلغل السرطان في كل أجزائها وفسادها وخصوصا كل ما يتعلق بفضيحة القضية الفلسطينية والتسوية لقاء ليال “مخملية” صبغت التاريخ بلون “العار” الداكن. لكني لم ألمس حضيض واقعنا إلا فجأة حين فتحت عيني “لأكتشف” أو “أعترف” أننا نعيش من دون هدف ومن دون قضية ومن دون هوية، فلم انتبه لسيطرة العصر الجديد، عصر العولمة وهيمنة الثقافة الواحدة إلا بعد حرب غزة عام 2008. كنت قد شهدت أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، وإحتلال العراق وشهدت التحول الذي طرأ على حياة كل عربي وكيف أصبحت العروبة لعنة. لكن ومع إقتران العرب بالإرهاب وبالتالي من ينطق بالعربية إرهابي إلى أن يثبت العكس، لم يخطر في بالي أنه سيأتي اليوم الذي نخجل فيه من لغتنا في عقر دارنا، أن يأتي اليوم الذي نحكم نحن أنفسنا فيه على من يتحدث بالعربية أنه غير مثقف ومنغلق واحيانا جاهل “للدنيا وما فيها”.كنت أظن أننا جميعنا في حرب شاملة لنثبت اننا لسنا إرهابيين، إنما نحن من وضع أسس الفلسفة والهندسة والرياضيات ونحن من بشعرنا أغنينا الثقافة ورفعنا من مستواها. نظرت إلينا وإلى ما آل حالنا بعيون “مقهورة” خلال حرب غزة، حيث المفاجأة “الفاجعة” الكبرى، أين نحن الشباب مما يحدث؟ أين نحن من أقل ما يمكن وهو التمسك بهويتنا ولغتنا، لماذا أمسى من يكتب بيننا شعرا بالعربية نقول له من دون أن نقرا ما كتب “لماذا لا تترجمه إلى الإنكليزية؟”، “شو” يرحم جدك، ولو!!!!! هل وصل بنا الأمر إلى هذه الدرجة من التنكر لمن نحن؟ هل فعلا نقصد ذلك “نحن الشباب” ام بعفوية نتحدث طوال الوقت بلغة أجنبية ونكتب بلغة “كرشونية” و “معليش

سوزان تلحوق

ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺆﻟﻔﺎﺕ سوزان تلحوق