محمد روحي الخالدي

ولد محمد روحي الخالدي سنة 1864 في محلة باب السلسلة في البلدة القديمة في القدس (محلّة العائلة منذ القدم) الملاصقة للحرم الشريف (وباب السلسلة أحد أبواب الحرم). والده ياسين بن الحاج محمد علي الخالدي. زوجته افرنسية: هرمانس بنسول. ابنه: يحيي (Jean) تنقسم سيرة الخالدي، المترجم، إلى خمس مراحل: مرحلة الدراسة الابتدائية والثانوية تلقى روحي الخالدي علومه الابتدائية والثانوية تباعاً في كتاتيب القدس و"المكتب الرشدي" في نابلس و"المدرسة الوطنية" في طرابلس الشام بإدارة الشيخ حسين الجسر، وحضر دروس المسجد الأقصى في القدس في اللغة والتوحيد والحديث والنحو والصرف والمنطق والبيان والبديع، وتردد على مدرستَي "الأليانس" (Alliance) والرهبان البيض "الصلاحية" بإشراف الرهبان الافرنسيسكان، ليتقن الفرنسية ودخل "المدرسة السلطانية" في بيروت بإدارة الشيخ حسين الجسر أيضاً حيث بقي الى حين انحلالها، ثم عاد الى القدس لحضور حلقات المسجد الأقصى. أما سبب تنقلاته هذه فهو أنه رافق والده ياسين. كان ياسين منتسباً إلى "حزب الإصلاح" العثماني وتأثرت أوضاعه بتغيّر أحوال زعماء هذا الحزب، فانتخب أولاً لينوب عن أهالي القدس في "المجلس العمومي" ببيروت، ثم تولى نيابة طرابلس الشام ثم عاد الى القدس ومنها أُرسل قاضياً شرعياً إلى نابلس. وقبيل نهاية هذه المرحلة، اصطحب عبد الرحمن الخالدي شقيق ياسين ابن أخيه روحي في زيارة إلى الأستانة حيث عرّفه إلى شيخ الاسلام حينئذ عرياني زاده أفندي الذي رغب في تشجيع الفتى روحي على طلب العلم فعيّنه في أول المراتب التعليمية يلقّب صاحبها "بقدوة العلماء" ويعدّ مدرّساً في مدرسة في مدينة بروسه، ولم يكن صاحبنا قد بلغ السادسة عشرة وكان ذلك سنة 1880. وعاد روحي الى القدس حيث انتظم في "دوائر العدلية" بضغط من والديه لحرصهما على إبقائه بالقرب منهما بسبب كونه وحيدهما في حينه، بينما كان روحي يتوق إلى متابعة دراساته في الأستانة، وما لبث أن قرر السفر سراً الى الأستانة عن طريق البحر إلاّ انه أُرغم على العودة بعد أن صعد الى ظهر الباخرة في يافا. عيّن روحي في أثناء إقامته في القدس باشكاتباً لمحكمة غزة، فاغتنم فرصة سفره إلى مقر عمله الجديد لتنفيذ ما كان يصبو إليه، وبدل السفر الى غزة تمكن من "الإفلات" والتوجه الى الأستانة. مرحلة الدراسة العليا في الأستانة وباريس دخل روحي الخالدي "المكتب الملكي" في الإستانة وبقي فيه ستة أعوام (1887– 1893) أخذ في نهايتها الشهادة العليا وعاد بعدها إلى القدس، حيث عُيّن معلماً في "المكتب الإعدادي" لكنه "رأى في نفسه أنه أجدر أن يتولى وظيفة أعلى من هذه"، فرجع الى الأستانة وطلب أن يتعيّن "قائم مقاماً" لأحد الأقضية. وكاد أن يتم له ما أراد، لكن عيل صبره وهو ينتظر صدور الأمر بتعيينه، فسافر إلى باريس وهو لا يعرف أحداً فيها، ثم عاد الى الأستانة وأخذ يتردد على مجلس جمال الدين الأفغاني، وكان الأفغاني تحت رقابة مشددة من قبل أجهزة الأمن العثمانية. فلما اشتدت الرقابة على روحي نفسه هجر البلاد العثمانية إلى فرنسا حيث دخل مدرسة العلوم السياسية في باريس (École libre des sciences politiques) التي أتم فيها دروسه في ثلاثة أعوام التحق بعدها بجامعة السوربون الذي درس فيه فلسفة العلوم الإسلامية والآداب الشرقية والتاريخ السياسي. كان أهم من درس عليهم كل من ألبير فرناندال Albert Fernandel، و"شيخ التاريخ السياسي" ألبير سورل Albert Sorel، ووزير المعارف ألفرد رامبو Alfred Rambaud، والمستشرق هارتفيغ ديرنبورغ Hartwig Derenbourg، والخبير الاحصائي لافاسور Émile Levasseur . مرحلة النشاط الأكاديمي عيّن روحي الخالدي بعد إنهاء دراسته في السوربون مدرّساً في معهد اللغات الشرقية (École spéciale des langues orientales) في باريس وأخذ يعقد الندوات العلمية ويلقي المحاضرات بالعربية بحضور كبار المستشرقين، ولعله أول من فعل ذلك في الجمعية من العرب ودخل عضواً في مؤتمر المستشرقين المنعقد في باريس سنة 1897 وعرض فيه إحصائيات من العالم الاسلامي، وكان في هذه الفترة على علاقة مستمرة مع كبار الإصلاحيين في العالم العربي وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده. مرحلة النشاط الدبلوماسي والبحوث والدراسات في المجلات العربية لدى عودة روحي الخالدي الى الأستانة سنة 1898 صدرت الإرادة السنية بتعيينه "قنصلاً جنرالاً" في مدينة بوردو وتوابعها، فرحّبت به الحكومة الفرنسية ونجح في عمله وذاع صيته وبقي في منصبه نحو عشر سنوات وانتخب رئيساً لجمعية القناصل في تلك المدينة (doyen) وكان عددهم ستة وأربعين قنصلاً، فكان ينوب عنهم في الاحتفالات التي تعذر وجودهم فيها جميعاً ويستقبل رئيس الجمهورية والوزراء والعلماء عند مرورهم ببوردو. ثابر روحي خلال عمله في بوردو على كتابة سلسلة من المقالات والبحوث ونشرت له كل من "الأهرام" و"المؤيد" و"طرابلس الشام" و"الهلال" ومجلة "المنار"، وتناولت مقالاته مواضيع شتى منها "سرعة انتشار الدين المحمدي"، و"المسألة الشرقية"، و"الكيمياء عند العرب"، و"حكمة التاريخ"، و"فيكتور هوغو وعلم الأدب عند الإفرنج والعرب". وحرص روحي على كتمان اسمه خوفاً من ردود فعل السلطات العثمانية، فكان يكتفي بتوقيع "المقدسي" وهو الاسم الذي عرفه قرّاؤه به فكانوا كما يحدثنا صاحب "الهلال" جرجي زيدان "يعجبون بعلمه وفضله ويسألوننا عن حقيقة اسمه ولم يكن ليأذن لنا بإذاعته". ويضيف زيدان إلى ذلك أن أبحاث روحي كانت "جليلة تدل على علم واسع ونظر صحيح مع إخلاص في البحث ومع اعتدال لهجته وتجنبه الطعن والقرص". ولما أقيم في بوردو سنة 1907 المعرض البحري لانقضاء مئة سنة على إيجاد البواخر أهدته بلدية بوردو تذكاراً جميلاً، ومنحته الحكومة الفرنسية نيشان "النخيل الأكاديمية" ووسام الشرف. مرحلة النشاط البرلماني والسياسي ومقاومة الصهيونية عقب إعلان الدستور في تموز/ يوليو 1908، رجع روحي الخالدي إلى القدس فانتخبه أهلها نائباً عنهم في مجلس النواب (المبعوثان) في تشرين الثاني/ نوفمبر 1908. وكان روحي قد انضم عضواً في جمعية "الاتحاد والترقّي" فكان مؤيّداً للحرية والدستور والليبرالية في أفكاره، سائراً في ذلك في خطى عمّه يوسف ضياء الدين باشا الخالدي (توفي 1906) الذي كان روحي معجباً به أيّما إعجاب. وأعاد أهل القدس انتخابه في البرلمان العثماني سنة 1912 وكان من أعضائه البارزين حيث انتخب نائباً لرئيسه. تنبه روحي مبكراً للخطر الصهيوني المحدق بالبلاد شأنه في ذلك شأن عمه يوسف ضياء الذي كان قد سبقه الى ذلك، وحذّر من أن استمرار النشاط الصهيوني والاستيطان المكثف لا بد من أن يؤدي الى طرد الأهالي العرب الأصليين من بلادهم، وخاطب الصهاينة على صفحات جريدتهم العبرية "هتسفي" في ذلك الوقت قائلاً: "لسنا مدينين لكم بشيء فقد فتحنا هذه البلاد من البيزنطيين وليس منكم"، وأثار هذا الموضوع عدة مرات في جلسات البرلمان العثماني محذراً من استمرار بيع الأراضي والهجرة الصهيونية، وبدأ وهو لا يزال في بوردو كتابة مخطوط عن الصهيونية وجذورها الدينية اليهودية وأرفقها بزيارات ميدانية للمستعمرات اليهودية المنتشرة في فلسطين (ولعله أول من فعل ذلك من العرب)، وأورد في دراسته إحصائيات وتفاصيل عن المؤسسات الصهيونية وأحزابها الشتى وأسمى كتابه "السيونزم أو المسألة الصهيونية" ووافته المنيّة في السادس من آب/ أغسطس 1913 بعد إصابته بحمّى تيفوئيدية لم تمهله إلا أربعة أيام قبل أن تنهيه. وانتقل صاحبنا إلى جوار ربه ولم يكن بعد قد بلغ الخمسين من عمره. روحي الخالدي من أبرز الشخصيات الفلسطينية وألمعها طرّاً في أوائل القرن الماضي بنشاطه الدبلوماسي الدولي والسياسي الدستوري الليبرالي، وبنتاجه البحثي المتنوع وريادته للبحث التاريخي الحديث والأدب المقارن إلى صلابة ولائه لعثمانيته وإدراكه المبكر لخطورة الصهيونية وعمق دوافعها. آثاره (منشورات أصلها مقالات): رسالة في "سرعة انتشار الدين المحمدي". طرابلس: مطبعة جريدة طرابلس الشام. "المقدمة في المسألة الشرقية". القدس: مطبعة مدرسة الأيتام الاسلامية. "تاريخ الأدب عند الافرنج والعرب". القاهرة: مطبعة مجلة "الهلال"، 1912. "الكيمياء عند العرب". القاهرة: دار المعارف، 1953. مخطوطات لم تنشر: "رحلة الى الأندلس". "علم الألسنة أو مقابلة اللغات". "السيونزم أو المسألة الصهيونية".

محمد روحي الخالدي