التراجيديا السورية : الثورة وأعداؤها

ﺗﺄﻟﻴﻒ سلامة كيلة

319 ﺻﻔﺤﺔ

يرسم هذا الكتاب بانوراما كاملة للثورة السورية، وذلك بعد أن يحدد الكاتب مداخله التي تشكل لنا مفاتيحاً لفهم الثورة السورية، فيعود للأساسات الأولى التي تجعل عملية التفكير بما جرى، أكثر وضوحاً "هل نفهم الثورة السورية بذاتها، أو نفهمها عبر انعكاسها الخارجي، ومواقف القوى الخارجية منها؟ هل نفهمها كنتاج تكوين اقتصادي طبقي داخلي، أو كانعكاس لسياسات الآخرين، وللأوضاع الدولية؟ وبعد أن يحدد مستويات أساسية وهامة لتنظيم عملية التفكير وقراءة الأحداث دون الخلط والتجاوز بين هذه المستويات، أو التركيز على بعضها وتجاهل بعضها الآخر. "المستوى الأول هو الجذر، وهو الأساس، ويتعلق بالتكوين الاقتصادي الطبقي، وهل أن الثورة هي نتيجة تفاقم الصراع الطبقي على ضوء التمايز الهائل بين أقلية نهبت ومركزت الثروة، وأغلبية أُفقرت؟ هنا نحن نلمس وضع «الناس»، ظروف معيشتهم ومقدرتهم على العيش. المستوى الثاني يتعلق بالتعبير السياسي عن الشعب، هل أن المعارضة هي جزء من الشعب، وتعبّر في سياساتها وفاعليتها عنه؟ أم أنها منعزلة، ولا تتلمّس مشكلات الشعب، بل تعبّر عن مصالح نخب منعزلة؟ المستوى الثالث يتعلق بوضع السلطة، طابعها الطبقي وتكوينها، وكيف أنها تمثّل فئة مافياوية تنهب وتمركز الثروة، وبالتالي تدافع عن مصالحها، ولا تمتلك المرونة؛ لكي تتنازل أو تقدّم حلولاً للمشكلات المجتمعية. المستوى الرابع يتعلق بالتوضع العالمي لسورية، وأثر ذلك في الموقف من الثورة، وهل أن الخلاف مع السلطة يستتبع - حتماً - دعم الثورة، أو أن الثورة هي الشرّ الذي يخيف الرأسمالية والنظم المافياوية؟ هنا ليست التصريحات هي التي تحدد المواقف، بل الممارسة، وبالتالي لا بد من فهم جوهر مواقف الدول الإمبريالية، والنظم النفطية والمافياوية. المستوى الخامس يتعلق بفهم مسار الثورة، وكل التدخّلات والتداخلات التي شهدتها، ويمكن أن تشهدها. وبفهم طبيعة الفئات التي تخوضها، من حيث وعيها ومصالحها، والشعارات التي ترفع، والمطالب المطروحة." كل هذا في المدخل المطول الذي وضعه الكاتب ليذهب الكتاب بعدها في ثلاثة أجزاء. يناقش الأول منها النظام والثورة كلّاً على حده أولاً، وثم علاقتهما مع بعضهما البعض. ويذهب الجزء الثاني لتحديد مسارات الثورة السورية، فيناقش قضايا مثل الأسلمة والتسليح وصولاً إلى مأزقها التراجيدي. ويأتي الجزء الثالث ليناقش أزمة الثورة السورية، وطرح فيه سؤالا من قبيل: هل في سورية ثورة؟؛ وينتهي هذا الجزء بفصلٍ يناقش الثورة والاستعصاء الثوري في سورية. وبعدها تأتي خاتمة الكتاب والتي تحاول من أجل إعادة نظر شاملة في الثورة السورية، التراجيديا. كلمة الغلاف فعَّلت الثورات في تونس ومصر الحراك السوري، الذي تعاطف معها، ومن ثم السعي لصنع ثورة. وساعد ما حدث في درعا، من عنف في مواجه مطالب شعبية، على أن تنفجر الثورة. لكن هذه الثورات فعَّلت أيضاً عنف النظام السوري الذي رأى كيف يتهاوى رؤساء أمام حشود الملايين، الأمر الذي جعله يحسم منذ البدء بمنع كل تجمع بكل العنف الممكن. كذلك استثارت الثورات أيضاً نظماً إقليمية، بدرجات متفاوتة القوة، فأصبحت تلك النظم معنية بوقف هذا الزحف المخيف، الذي يتضخّم يوماً بعد. وكذلك استثارت النظم الرأسماليةَ، التي أشَّرت أزمة 2008 الاقتصادية، التي لم يكن ممكناً حلها، أنها في وضع صعب ينذر بانفجار عالمي كبير، توحي الأزمة وتوابعها أنه بات محتماً. ولهذا كان عليها أن تنشط من أجل إخماد تلك الثورات بكل الأشكال الممكنة. كل ذلك كان يعني التوافق مع النظام علناً أو سراً، والشغل على تشويه الثورة عبر تحويلها إلى صراعات «طائفية»، و«حرب أهلية»، و«نزاع مسلح». ومن ثم الانتقال إلى «الحرب ضد الإرهاب» بعد تسريب مجموعات من تنظيم القاعدة وتشكيل داعش. كل تلك النظم، من النظام السوري والدول الإقليمية والإمبريالية الأميركية عملت على ذلك بتناسق كامل. فالأهم كان تدمير الثورة، وتحويلها إلى مجزرة تكون مثالاً لشعوب العالم التي تتحفز للثورة كي تتردد ولا تجرؤ على التحرك. كل ذلك هو الذي أنشأ التراجيديا السورية. من الكتاب فوضى الثورة تتّسع بالتالي، ويبدو الوضع وكأن “الثوار” سيتقاتلون. والأمور تسير نحو “الكفر” بالثورة. وإذا كانت السلطة تفشل في إنهاء الثورة، وتحقيق انتصارات عسكرية، وظهرت مكشوفة عارية بعد مسكها متلبّسة بجرم استخدام الأسلحة الكيماوية، فيبدو أن هناك مَن يريد قلب هزائمها انتصارات. داعش قرّرت السيطرة على المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة، وبدأت حملة لتصفية “الجيش الحر”، والكتائب المسلحة الأخرى، بما في ذلك جبهة النصرة “توأم روحها”. وبات كل الانتباه ينحو نحو كيف يمكن ردّ تغوّلها، ودرء معركتها. البعض يعدّ ممارستها خطأ فقط، والائتلاف يصدر بياناً هزيلاً، وآخرين استفاقوا متأخرين على الخطر الذي زرع بعد إكمال الثورة عامها الأول، والذي كان واضحاً أنه سوف يوصل إلى هذه النتيجة، لسببين، جرى التنبيه منهما منذ البدء، الأول هو أن “منطقها” (كمنطق كل “الجهاديين”) يقوم على “ملء الفراغ” بإقامة “دولة الخلافة” رغماً عن الشعب، وهذا ما يفرض أن تصطدم مع الشعب والقوى الأخرى بالضرورة، وبالتالي يقود إلى جرّ الثورة إلى متاهة تدمّرها. والثاني أنها (ككل “الجهاديين”) مخترقة لأجهزة مخابرات، أولها السلطة ذاتها التي تعاملت مع هذا النمط منذ زمن طويل، وروّضت العديد من عناصره، وزرعت فيه مَن يوجّه بما يخدم سياساتها. وكانت كل المعلومات توصّل إلى أن للسلطة يد في تشكيل “جبهة النصرة”، ومن ثم؛ داعش، كما أشرنا سابقاً.

اﻟﺘﺼﻨﻴﻒ : علوم سياسية