منهج ابن تيمية المعرفي

ﺗﺄﻟﻴﻒ عبدالله بن نافع بن عايد الدعجاني

807 ﺻﻔﺤﺔ

من العلماء الذين ينبغي الحرص على بيان المنج المعرفي الذي اعتمدوه في التقرير والرد "الإمام ابن تيميّة"، لما تميز به من خصائص علمية ومنهجية قلّ أن توجد عند غيره. ومن أهم ما يميّز ابن تيمية حرصه الشديد على التجريد الخالص لما يعرض له من أفكار، فهو يتكلّم عن الفكرة في ذاتها بغض النظر عن ارتباطها بواقع معين، ولهذا السبب عبرت أفكاره الزمن وأصبحت حيّةً عبر التاريخ، وهذا هو المعنى الذي قصده مالك بن نبي عندما أفكار ابن تيمية الترسانة الفكريّة للتجديد الإسلامي المعاصر، وهذه الخاصية التي حرص الفلاسفة على اختلاف توجهاتهم على التحقق بها للوصول إلى اليقين المطلق، وقد كان ابن تيمية مع فرط ذكائه واعتباره لمبادئ العقل الأوليّة على يقين بأن الحق المطلق الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان بنظره واجتهاده العقلي المحض، لا يمكن أن يتعارض مع الوحي المعصوم، فكان ذلك هو الزمام الذي وقاه بعد توفيق الله تعالى من التورط في كثير من الإشكالات والإنحرافات التي حصلت لغيره ممن سلك الطرق التي سلكها، مع يقيننا أنّه لا معصوم بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومما يتميز به ابن تيمية كذلك حرصه الدائب على الربط بين الحقيقة الشرعية من جهة والحقيقك العقلية من جهة أخرى، حيث نراه في رده على دعوى التعارض بين العقل والنقل يؤكد أن القول بتقديم جنس المعقولات قول باطل، وأن العبرة في ذلك بدلالة الدليل لا بجنسه، والقاعدة عنده في ذلك أنه إذا لم يمكن التعارض بين القطعيات فإنه يستحيل وجود دلالة عقلية قطعية تعارض دلالة نقلية قطعية، وأنه إذا تعارض دليل قطعي مع دليل ظني قدم القطعي مطلقاً بصرف النظر عن كونه عقلياً أو نقلياً. وأما جانب الربط بين الحقيقة الشرعية والحقيقة النفسية فكثير في تراثه، ومن أمثلته استدلاله على دخول العمل في مسمى الإيمان للرد على المرجئة بقاعدة أن العمل الظاهر لا يمكن أن يتخلف مع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة التامة، وهكذا في أمثلة كثيرة جداً. ومما يتميز به ابن تيمية حرصه على تثبيت المحكمات وقواعد الإستدلال ورد ما اختلف فيه إليها، لأن الكثير من المسائل التي يحصل للإنسان الإشكال فيها إنما يكون من جهة خفاء الحق فيها، بسبب عدم فهم المحكمات في بابها، ولا شك أنه لا يتحقق بذلك إلا من سبر المسائل الجزئية وانتهى إلى حكم كلي لا تتعارض فيه أحكام الجزئيات، وكانت نتيجة اهتمام ابن تيمية بهذا الجانب هي ما تكرر في تراثه من إطلاق وصف قاعدة في كذا وقاعدة في كذا حتى أصبح ذلك سمة ظاهرة في تقريراته. ومع الإهتمام الملحوظ بفكر ابن تيمية وكثرة الدراسات حوله إلا أنه يغلب عليها التوسع في دراسة ما عرض له من مسائل وترجيحات، ومع أهميّة هذا الجانب إلا أنه لا بد مع ذلك من الإهتمام بدراسة الجانب المنهجي الذي يتأسس عليه الموقف من تلك المسائل التفصيلية والدراسات في جانب المنهج الكلي. وما كتبه الدكتور عبد الله الدعجاني في الكتاب الذي بين أيدينا عن المنهج المعرفي عند ابن تيمية هو جهد متميز، وقراءة تستحق التوقف عندها والبناء عليها، وقد انتهى إلى نتائج مهمة ستحدث بلا شك أثراً واضحاً في تصحيح كثيرٍ من الدراسات السطحية لتراث ابن تيمية، ومن يقرأ هذا الكتاب يشعر بمدى الجهد المضني الذي بذله الكاتب للوصول إلى ما انتهى إليه من نتائج جديرة في بالتقدير والإهتمام، كما يشعر بثقة الكاتب في تلك النتائج، ولذا تراه يذكر حصيلة البحث النهائية وهي ما قرره من المفاهيم الثلاثة المكونة للمنهج المعرفي التيمي، ويشفع وصوله إلى تلك الحصيلة بما يشبه التحدي أن تكون قابلةً للتكذيب و الدحض، زيادةً على كونها منسجمة مع فكر ابن تيمية، وأنها تملك خاصية القوة التفسيرية لها في تفاصيل فكره. والذي توجه إليه الكاتب من استنباط المنهج المعرفي عند ابن تيمية يحتاج إلى جهود مماثلة، تكمل هذا المشروع المبارك، بدراسة المناهج المعرفية للأئمة الأعلام الذين كانت لهم الأدوار الريادية في تجديد الإسلام وبيان معالمه والدفاع عنه.

اﻟﺘﺼﻨﻴﻒ : دراسات ادبية, أدباء, فلاسفة ومفكرون, علماء, مراجع دينية, وعظ وإرشاد, آداب وأخلاق إسلامية, عقيدة

ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎﺕ... ﻛﻦ ﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﻳﻀﻴﻒ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎﺏ.