في سوق السبايا

تأليف دنيا ميخائيل

0 صفحة

حاتم الصكَر : حين قرأت مسودة كتاب الشاعرة العراقية المقيمة في الولايات المتحدة دنيا ميخائيل، «في سوق السبايا» قلت إن هذه كتابة عابرة للأنواع: تجمع في مصهر الكلمات وقائع مسرودة لنساء إيزيديات من أعمار مختلفة من مدينة سنجار وقراها استولى على حيواتهن الدواعش وسلبوهن الحرية، فأصبحن في لحظة إماء مستعبدات يتداولهن رجال هابطون من عالم الغاب بيعاً وشراءً وإيجاراً أيضاً، فهن» كافرات» ليس لهن حق بأي شيء سوى مصيرهن الذي يحدده الأمراء القتلة، وجنود الخلافة الخارجون من عتمات التاريخ ودهاليز التخلف والتعصب والتغوّل الوحشي. وتقدم دنيا تحقيقاً ميدانياً عن الضحايا وما حملن من جراح لن يداويها مرور الزمن. كثير منها ظل عالقاً لا في الأجساد المنتهكة باسم الخلافة في الدولة التي أقاموها في الموصل، بل في العمق حيث الأرواح التي شهدت مئات الميتات الحقيقية والمجازية. كانت دنيا لكي تكتمل أبعاد شخصيتها في الكتاب تبث الشعر لغة وصوراً، وأحياناً قصائد تعمل كاستراحات من ثقل الوقائع وهولها المرعب. هكذا أقامت الكاتبة محفلاً كتابياً تشم منه رائحة دم ودموع وخفقات أفئدة مسها الشر فاستحالت رماداً. بقايا احتراق حقيقي لا يكاد يطفأ حتى يشتعل من جديد بمزيد من لقاءات الضحايا. لم تنج امرأة من الهتك والسلب والبيع بعد أن تمت تصفية الرجال في مقتلة جماعية. فتيات قاصرات وشابات وعذراوات ومتزوحات. البيع يجري كما في أسواق الإماء في تاريخ العبودية المنقرضة: يعلن عن وقت البيع ومكانه عبر التليغرام. تصور الكاتبة نموذجاً لمساومة عبر الموقع بين داعشي بائع وآخر مشتر. وتصل الأسعار أرقاماً ذات دلالة على هوان الإنسان، وفقدانه قيمته البشرية. وأيضاً تجعلنا نتأمل هذه الحالة من الشيزوفرينيا النموذجية المتمثلة في استخدام التقنية الحديثة والمتطورة لتنفيذ أفعال لم يعرفها البشر منذ قرون تحررهم وتحضرهم. الآن وقد صدر كتاب دنيا مطبوعاً تساءلت وأنا أعيد قراءته وأتأمل الصور التي صحبت الكتابة: أكان مافعلته دنيا شيئاً عابراً للأنواع أم أنه عابر للألم. يمر من حيث لا تدري. يتسرب بين الأيدي، ويخترق شغاف القلوب، ويبتز الدموع التي لا يمكنها محو ما جرى. تبدأ دنيا من نقطة جغرافية بعيدة. من فصل دراسي تعلم فيه طلابها العربية في مدينة ديترويت الأميركية، فترسم لهم حرف النون، وتأتي بأمثلة عليه في البدء والوسط والنهاية. لكنها تتسلل منه لتستذكر نونين: نوناً يخطها الداعشيون على بيوت المسيحيين لتميزهم، وتعلن أنها صارت ملكاً لأوقاف الخلافة. ونوناً ثانية هي الحرف الأول من اسم نادية: الفتاة الإيزيدية التي كانت حكاية سبيها وبيعها هي اولى حكايات عبدالله التي ينقلها في الهاتف. عبدالله هو دليلها في رحلتها الجهنمية إلى المأساة. الإيزيدي الذي خسر عدداً كبيراً من أهله نساء ورجالاً: قتلى أو سبايا أو مغيبين في مصائر دبرها الداعشيون وهم يحتلون قراهم. عبر الهاتف سيحكي عبدالله الذي نعتته دنيا بأنه بطل من هذا الزمان عن عمليات تهريب السبايا من مستعبديهن بطرق شتى: بشرائهن وتهريبهن أو تدبير هربهن بمخاطرات مهلكة. عبدالله هو شهرزاد الحكايات التي تتناسل كل ليلة ألماً ممضاً. ثم يكون لقاء الكاتبة به في العراق فيزيدها تبصيراً بما حدث وتلتقي بكثير من الضحايا الناجيات. ولكن ما يؤلم حقاً هو مصير الأطفال الذين يصحبون أمهاتهم أو أخواتهم. إنهم يرونهن لحظة اغتصابهن. يفعل الداعشيون ذلك عمداً وبسادية ليست غريبة على فكرهم وسلوكهم. أو يذبحون الضحايا أمام عيون هؤلاء الأطفال. ثم يجبرونهم على التدريب العسكري وتعلم الذبح والقتل والمساعدة في تركيب حشوات الصواريخ المرشحة للانفجار أية لحظة، ولا يخفون ذلك عن أمهاتهم اللواتي يمتن مع كل حركة من أطفالهن الذين أجبروا على تغيير ديانتهم. كأمهاتهم. تنحدر دنيا من عائلة سكنت منطقة مسيحية في شمال العراق. هي تلكيف التي زارتها آخر مرة عام 1991 هرباً من الحرب والدمار الذي لحق ببغداد حيث تعيش دنيا وأسرتها. الجدة هي آخر من سكن هناك. وقبرها الذي ربما تهدم كغيره في القرى المستباحة يحضر في قصيدة تذكارية تدونها الكاتبة؛ وهي تحكي عن اجتياح الدواعش تلك المنطقة. وتتذكر ما فعلوه من تدمير لآثار نينوى الآشورية: واحدة من أقدم حضارات العالم، تشظت ثيران آشور المجنحة والرسوم الناتئة والجداريات والتماثيل، تكسرت كلها بقسوة لا تدل إلا على شيء واحد هو جوهر الروح الشريرة المختبئة خلف وجوه القتلة: «هبطت علينا الغيوم/ حرباً حرباً/ التقطت سنواتنا/ جنائننا المعلقة/ ومضت مثلما تفعل اللقالق/ قلنا ليس هناك أسوأ ليأتي/ والآن جاء البرابرة/ كسروا قبر جدتي: لوحي الطيني/ هشموا الثيران المجنحة/ عيونها الواسعة المفتوحة/ زهرات عباد الشمس/ تنظر مدى الحياة/ إلى أشلاء أحلامنا الأولى». بين يديها حطام نساء كثيرات وصلت صرخات أرواحهن إليها عبر حديث عبدالله الذي يغذي ليالي الألم. لكنها الآن في الطائرة من ديترويت صوب العراق. تعود الى قريتها وتسأل بصحبة عبدالله عمن تستطيع أن ترى من السبايا المحررات. تلتقي ببعضهن وترى الدمار يفيض من أعماقهن. وترى بقايا الخراب والهشيم الذي ظل. مقابر جماعية تركها الدواعش. وبيوت مهدمة وحيوات تشبه الموت. الدواعش لم يأسروا الناس فحسب. سلبوا كل مظاهر الحياة. وتوالت أسماء الضحايا وقصصهن المرعبة منذ لحظة سبيهن وقتل الرجال أمامهن ثم اغتصابهن وبيعهن، وإجبار صغارهن على العمل معهم أو التجنيد. حكايات تشهد بطلاتها على الولادة من الموت. الكوابيس التي تركها الرق الجديد الذي تعرضن له وإهداؤهن كشيء زائد يرمى سيعمق جراح أرواحهن حتى بعد تحريرهن: نادية-كلوديا-كامي-جميلة-مها -بديعة -شكرية والعشرات يعشن مع القارئ بتفاصيل عذابهن. لم تعد الأسماء تعني شيئا وكأنها رموز للألم المستمر. ألم لا يذوقه الضحايا فحسب بل الناجون من الأسر والسبي والذبح. جميلة التي ستخرج من السبي مهربة إلى بيتها تجد خطيبها وقد غاب. لم يعد بوسعه الانتظار وتحمل فكرة العيش مع فتاة مغتصبة منتهكة. تتمزق في الصفحة الأخيرة من الكتاب لتنهي قصص العذاب التي لا تنتهي في الحقيقة بل تستأنفها ألسنة وعيون أخرى. تركض جميلة المحررة من السبي والأسيرة بحكم مصيرها وتدور في شوارع القرية تلاحقها أيادي مغتصبيها وتمزق جسدها، فتتبعثر الزهور في الهواء. أخيراً أية كتابة عن الألم قادرة على أن تكون أكثر إيلاماً من الفعل ذاته؟ نخرج من الكتاب جرحى ومهزومين لأننا شهدنا على هذا الخراب البشري. فأية كتابة ستحتوي ألمنا وندمنا لنقاوم النسيان؟

التصنيف : قصص, الدين والسياسة

لا يوجد مراجعات

لا يوجد أقتباسات